الشيخ محمد علي طه الدرة

434

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ : هذه استعارة بديعة ، وأصل اللباس في الثياب ، فقد شبه اللّه كلّ واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق ، والضم باللباس المشتمل على لابسه ، وسمّي امتزاج كلّ واحد من الزّوجين بصاحبه لباسا ، لانضمام الجسد إلى الجسد ، وامتزاجهما ، وتلازمهما بالثّوب ، قال النابغة الجعدي - رضي اللّه عنه - : [ الرمل ] إذا ما الضّجيع ثنى جيدها * تداعت فكانت عليه لباسا وقال أيضا - وهو كناية عن جيل عاصره ، ثمّ فني الجيل ، وبقي حيّا ؛ يريد بذلك بيان عمره الطّويل - : [ المتقارب ] لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا وقال بعضهم : يقال لما ستر الشيء ، وواراه : لباس ، فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّا لا يحل . كما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله : « من رزقه اللّه امرأة صالحة ؛ فقد أعانه على شطر دينه ، فليتّق اللّه في الشّطر الثّاني » . رواه الطّبرانيّ في الأوسط ، والحاكم عن أنس ، رضي اللّه عنه . وفي رواية للبيهقيّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا تزوّج العبد ؛ فقد استكمل نصف الدّين ، فليتّق اللّه في النّصف الباقي » . أقول : وهذا المعنى هو أولى ما تفسر به الآية ، فإنّ الرجل ، والمرأة حينما يكون أحدهما عزبا ، فإنه يكون عرضة لكلام الناس ، فحينما يتزوج تنقطع ألسنة الناس عنه . هذا بالإضافة لما فهم من الحديث الشريف من تحصين الفرج ، وغضّ البصر ، فصار كلّ منهما لباسا لصاحبه بهذا المعنى ، وقدّم سبحانه قوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ تنبيها على شدّة احتياج الرّجل للمرأة ، وعدم صبره عنها ، ولأنّه هو البادئ بطلب ذلك منها ، وعليه ؛ فينبغي لكلّ منهما أن ينتقي هذا اللباس من أهل التّقوى ، والدّين ، والأحاديث التي ترغب في اختيار الزّوجين موجودة في كتاب الترغيب ، والترهيب ، وغيره ، لا أطيل الكلام في ذلك ، وخذ ما يلي : عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة ؛ فليتزوّج ، فإنّه أغضّ للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم ، فإنّه له وجاء » . رواه الستّة ما عدا ابن ماجة . عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ : تظلمون أنفسكم بتعريضها للعقاب ، وتنقيص حقها من الثواب . والاختيان أبلغ من الخيانة ، كالاكتساب من الكسب ، وسمّاه اللّه : خائنا لنفسه ؛ من حيث كان ضرره عائدا عليه ، وكلّ عاص للّه خائن لنفسه بتعريضها للعقاب ، وتنقيص حقّها من الثواب ، وألف : تَخْتانُونَ مبدلة من الواو ؛ لأنه من : خان ، يخون ، وتقول في الجمع : خونة ، واسم الفاعل : خائن ، وأصله : خاون ؛ مثل : قائل ، أصله : قاول .